السيد حيدر الآملي

387

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

وبهذا يكون لهم على اللّه حجّة من غير العكس ، وقد قال اللّه تعالى : فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ [ سورة الأنعام : 149 ] ، وليس لهم من هذا الإلزام مفرّ ولا مرجع إلّا التّسليم والرّضى بما قضى ورجوع ( الأمر إلى ) علمه وحكمته بمقتضى إرادته ومشيّته ولا شكّ أنّ هذا الجواب غير موجّه ومن هنا قال : لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [ سورة المائدة : 101 ] . والحق أنه اعتقاد غير مطابق . ( المعلومات الأزليّة لا يجوز أن تكون مجعولة ) وأمّا الطّائفة الثّانية ، فقالوا : إنّ الحقائق والأعيان والماهيّات ليست بجعل الجاعل لأنّها معلوماته الأزليّة والمعلومات الأزليّة لا تجوز أن تكون مجعولة ، لأنّها لو كانت مجعولة لزم سبق العلم على المعلوم بزمان أو أزمنة أو عدم العلم بالمعلومات الأزليّة قبل أن يجعلها مجعولة له ، والقسمان بأسرهما باطلان ، فلم يبق إلّا أن تكون معلومة غير مجعولة له ، وأيضا قد تقرّر في الأصول ، أن العلم تابع للمعلوم ووجود التّابع الّذي هو العلم بغير وجود المتبوع الّذي هو المعلوم محال ، لأنّ العلم لا يصدق عليه أنّه علم إلا إذا طابق المعلوم وإلّا يسمّى جهلا تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ، والمراد من قولهم : إن العلم يجب أن يكون مطابقا للمعلوم ، هذا ( . . . ) لأنّ كلّ علم لا يكون مطابقا للمعلوم في الخارج يكون جهلا ، وبناء على هذا لا يجوز أن تكون معلوماته الأزليّة مجعولة له وإلّا ما يثبت له العلم ، ويلزم الفساد المذكور وهذا هو المطلوب في هذا البحث ، ووجه آخر وهو أنّه تعالى عالم بالمعدومات وعالم بالموجودات ، وكلامنا في المعلومات المعدمة أزلا أعني المعدومة في الخارج الثّابتة في العلم قبل وجودها في الخارج فإنّها لا يصدق عليها أنّها مجعولة لأنّ الجعل إنّما يتعلّق بالوجود الخارجي لا بالوجود العلمي أو الذّهني ، والموجودات لا بالمعدومات ، وإذا تقرّر هذا فالأولى أن نرجع إلى الأصول والقواعد الكليّة ، ونبحث على الأصل الصّحيح والأساس الكلّي ، وهو أن نقول : لا شك ولا خفاء أن الأعيان والحقائق والماهيات من معلوماته الأزلية وقيل الوجود الخارجي لم يكن لها أثر إلّا في العلم ، فالوجود لو كان بجعل لم يكن الجاعل عالما بها في الأزل لأنّها لو كانت بجعله لم تكن أزليّة والحال أنّها أزليّة ، فحينئذ لا